"لم اكن اعلم انكِ عدتِ"
كان إعلان المسابقة قد عُلِّق منذ الصباح الباكر في الممرات الرئيسية لمدرسة ساكورا العليا للسحر. ورقة كبيرة يتوسطها ختم المدرسة، تحيط بها عيون الطلاب وفضولهم، وكأنها نافذة تُطل على مستقبلٍ مجهول. الأصوات المتداخلة لم تُخفِ حقيقة واحدة؛ الجميع كان يشعر أن هذا العام مختلف.
مسابقة القوة السنوية لم تكن مجرد تقليد أكاديمي، بل كانت لحظة فاصلة تُقاس فيها الإرادة قبل السحر، ويُكشف فيها ما يخفيه كل طالب خلف هدوئه أو غروره. بعضهم كان يراها فرصة لإثبات الذات، وآخرون كانوا يخشونها لأنها قد تضعف الأقنعة التي اعتادوا ارتداءها.
سعد مرّ بجانب لوحة الإعلان دون أن يتوقف طويلًا. اكتفى بنظرة سريعة إلى العنوان ثم تابع سيره. لم يكن يكره المنافسة، لكنه لم يشعر يومًا أن هذه المسابقات خُلقت لأمثاله. سحر الخشب الذي يحمله كان دائمًا يُنظر إليه على أنه سحر محدود، ضعيف، لا يليق بمنصات التفوق.
في قاعة الدروس، لم يكن حديث الأساتذة يدور إلا حول المسابقة. شرحوا القوانين والمراحل، وأكدوا أن التقييم لن يعتمد على القوة وحدها، بل على التحكم والتركيز وسرعة البديهة. ومع ذلك، كان الطلاب يعلمون في قرارة أنفسهم أن من يمتلك سحرًا لامعًا سيظل متقدمًا خطوة على الآخرين.
مال يوسا نحوه وهمس بصوت خافت:
“هل ستشارك؟”
تردد سعد لحظة، ثم أجاب بصوت خالٍ من اليقين:
“لا أدري بعد.”
لم يكن جوابًا بقدر ما كان هروبًا من مواجهة سؤال أكبر.
في ساحة التدريب، بدا الحماس أكثر وضوحًا. طلاب يتدربون بجِدّ، وآخرون يستعرضون قوتهم بلا حذر. هناك، عند الطرف البعيد من الساحة، كانت نورا تقف بهدوئها المعتاد، محاطة ببعض الطلبة المتفوقين. لم تكن تشارك في التدريب، بل تراقب فقط، وكأنها أعلى من الضجيج، بعيدة عن اللهاث. حضورها وحده كان كافيًا ليجعل المكان مختلفًا.
راقبها سعد بصمت، ذلك الصمت الذي اعتاد أن يخفي فيه مشاعره. لم تكن تنظر إليه، ولم تشعر بوجوده، ومع ذلك كان قلبه يخفق وكأنها تواجهه مباشرة.
وفجأة، انقطع ذلك الإحساس بصوتٍ مألوف.
“سعد.”
استدار ببطء.
فوتي كانت تقف خلفه على مسافة قريبة. ملامحها حادة، وقفتها مستقيمة، وعيناها تحملان صرامة لا تخلو من تعب. كانت أكبر منه سنًا، وأشد منه قوة، والفارق بينهما لم يكن في السحر فقط، بل في طريقة مواجهة العالم.
“لم أكن أعلم أنكِ عدتِ.” قال بهدوء.
“وأنت لم تحاول أن تعلم.” جاء ردّها باردًا.
ساد بينهما صمت ثقيل، صمت لم يحتج إلى كلمات ليكشف التوتر الكامن. من حولهما كان الطلاب منشغلين بتدريباتهم، غير مدركين لما يدور في تلك اللحظة الصغيرة.
قالت وهي تنظر إلى الساحة دون أن تلتفت إليه:
“سمعت عن المسابقة. ستشارك فيها.”
لم تكن تسأله.
“لم أقرر بعد.”
التفتت إليه أخيرًا. لم يكن في عينيها غضب، بل خيبة أمل.
“أنت دائمًا تؤجل.”
شدّ سعد يديه دون وعي.
“الأمر ليس بسيطًا كما تظنين.”
“بل هو بسيط.” أجابت بسرعة. “لكنك تخشى أن تُرى كما أنت.”
أصابته كلماتها في موضعٍ حساس. لم يجد ردًا. لم يرغب في الدفاع عن نفسه، ولا في الاعتراف.
تنفست فوتي بعمق، وكأنها تراجعت خطوة داخل ذاتها.
“لم آتِ لأعاتبك. فقط… أردت أن أراك.”
ثم استدارت ومضت، تاركة خلفها شعورًا ثقيلًا لم يعرف سعد كيف يتعامل معه.
مع غروب الشمس، عاد إلى غرفته متعبًا، لا من التدريب، بل من التفكير. المسابقة، نورا، فوتي… كل شيء بدأ يتداخل في ذهنه بطريقة أربكته. جلس قرب النافذة يراقب أضواء مدرسة ساكورا العليا للسحر وهي تُضاء واحدة تلو الأخرى.
كان يعلم أن المسابقة قادمة، وأنها لن تمر مرورًا عاديًا.
وكان يعلم أيضًا أن ظهور فوتي لم يكن صدفة.
شيء ما بدأ يتحرك في الخفاء، ببطء، بثقل.
وللمرة الأولى، شعر سعد أنه يقف على عتبة طريق لا يعرف إلى أين سيقوده.